حكيم أبو القاسم الفردوسي ( تعريب : الفتح بن علي البنداري )

73

شاهنامه ( الشاهنامه )

فرأى فيهم فارسا يغلب الأقران ، ولا يتهيب السيف والسنان . فصمد صمده ، وقصد قصده . وأنشب في معاقد منطقته مخالبه وقطرة عفيرا . فرفع الناس صياحهم ، وقالوا ما من فارس مقدام نعرّض هذا الغضنفر له إلا وأمه ثاكلة . وهيهات أن تلد الضراغم مثله أو يلاقى الملاحم والوقائع شكله . فليهن ساما أن يخلفه هذا البطل الجسور والليث الهصور . وأثنى عليه منوجهر في جميع الأمراء والقوّاد . ورجع إلى الإيوان فخلع عليه خلعة تليق بمثله مضافة إلى التاج والتخت والسوار والطوق إلى غير ذلك من الثياب الرفيعة ، والخيول العتيقة ، والغلمان الرشيقة . جواب منوجهر إلى سام وأمر بأن يكتب جواب كتاب سام ، ويعلم فيه أنه قرّ عين الملك بطلعة زال ولقائه وانشرح صدره بمحاسن آدابه . وأنه تقدّم بإنجاح جميع مطالبه وقضاء مآربه . فخرج زال بالطائر الميمون ، والطالع المسعود . وقدّم فارسا إلى حضرة أبيه ليعلمه بإقباله منصرفا من حضرة الملك منوجهر ، ويبشره بما قابله من الإنعام والإعظام ، وأفاض عليه من المنن الجسام . فلما بلغ الخبر بذلك إلى سام دبت في معاطفه دواعي الطرب حتى كأنما عاد شبابه النضير بعد أن جلله القتير . فأرسل فارسا إلى مهراب ليعلمه بالحال ويبشره بما أنعم به الملك منوجهر ، ويعلمه بأنه منتظر قدوم ولده ، وأنه إذا وصل بادرنا إلى فنائك ، واستسعد بلقائك . فلما بلغ الخبر بذلك إلى مهراب كاد يخلع روحه على البشير ويطير من الفرح والسرور . ودعا بزوجته سين دخت وشكر سعيها وقال : إنك قد أعلقت يدك بشجرة من شجرات المجد ، واتصلت بجرثومة من جراثيم الملك . فتأهبى للأضياف الكرام ، وأعدّى أسباب الإكرام والإعظام . وسلم إليها مفاتيح الخزائن ، وأطلق يدها في تلك الدفائن . فقامت ودخلت على بنتها روذابه وبشرتها بعلو جدّها وسعادة طالعها . فدعت لها بطول البقاء ، ودوام المجد والسناء . وقالت : سأجعل تراب قدمك على مفرق رأسي إكليلا ، وأتخذ من رأيك إلى جميع السعادات هاديا ودليلا . قال : فأقبلت سين دُخت تزين الدور ، وتنجد القصور . فزينت مجلسا مذهبا وفرشت فيه . بساط منسوجا من الذهب موشحا باللؤلؤ والزبرجد . ونصبت تختا من العقيان مخروط القوائم من حجر البهرمان . ثم حلت الخريدة العذراء ، وجلتها على ذلك التخت . كأنها الشمس في كبد السماء ، موشحة بقلائد الجوزاء . وسدلت دونها الحجب وأرخت السجف . ثم أمرت فزينوا جميع البلد بموشيات المطارف ، ومستحسنات الرفارف . وجللوا ظهور الفيلة بالحرير والديباج ، ووضعوا على كواهلها أسرة العاج لتركبها القيان المحسنات ، والجواري المسمعات . واشرأبوا لاستقبال الملكين ، وطلوع النيرين ، مترصدين للانتظار ، طامحين نحو الطريق بالأبصار .